القاضي النعمان المغربي
122
تأويل الدعائم
الضعيف عن السعي إلى من يفيده ومن ذلك قوله تعالى : « أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ » « 1 » . وأمّا قوله : « أَوْ عَلى سَفَرٍ » فالمسافر هو الذاهب عن مستقره المفارق أهله في الباطن مثل من فارق أهل دعوته ومن يأوى عليه من المفيدين به . ثم قال : « أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً » فتأويل ذلك في الباطن أن يكون من كانت هذه حاله من ضعفاء المؤمنين الذين لا يستطيعون أن يلحقوا بمن يفيدهم لبعدهم عنهم والذين انقطع عنهم المفيدون المحقون فلم يصلوا إليهم ولم يجدوهم فأصابهم ذلك من اقتراف ذنوب اقترفوها من كفر أو شرك أو نفاق وذلك كما قدمنا ذكره أن مثله مثل ما ينقض الوضوء من البول ، والغائط والريح يخرج من الدبر . وقوله : « أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ » كناية عن ذلك كله لأن الغائط في اللغة المكان المطمئن من الأرض وفيه كانوا يقضون ذلك إذا حضرهم يستترون به . وقوله : « أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ » كناية عن الجماع وقد ذكرنا فيما تقدم أن مثله مثل المفاتحة بين المفيد والمستفيد وذلك يوجب الطهارة بالعلم الّذي يجرى بينهما ويكون ذلك واجبا في الظاهر على من جامع حلالا أو حراما فالمراد بقوله هاهنا : « أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ » في جماع الحرام وهو في الباطن أخذ المستجيب عمن يفاتحه من أهل الباطل أو ممن لم يؤذن له في المفاتحة من أهل دعوة الحق فإذا قارف المستجيب شيئا من ذلك ولم يجد ماء باطنا وهو العلم الحقيقي يأخذه من عند أهله ومن يأتيه ليطهره مما اقترفه ممن نصب لذلك إما لعدم المنصوب له أو لبعد داره وضعف المقترف عن البلوغ إليه ليطهره كما قال تعالى : « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » « 2 » وقال : « خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها » « 3 » فليس ينبغي لمقترف ذلك وإن عدم المفيد أو ضعف عن البلوغ إليه أن يبقى على ما هو عليه كما لا ينبغي لمن ناله ذلك في الظاهر فلم يجد الماء أو لم
--> ( 1 ) سورة النساء : 97 - 99 . ( 2 ) سورة النساء : 64 . ( 3 ) سورة التوبة 103 .